أبو حسل.. رائد الدبلوماسية، المائعة وضياع الحقوق؟
حسين السليماني الحنشي
تُميط التراثيات العربية اللثام عن حكاية طريفة لطالما اتخذها الأدباء رمزاً للحياد العبثي والمماطلة الباردة؛ إذ يُحكى أن أرنباً غضوباً أمسك بتلابيب ديك خطف ثمرته، واصطحبه محتجاً إلى "أبي حسل" — وهي كنية طريفة للضّب — ليقضي بينهما بعدل.
وعند باب الجحر العتيق، دار حوار العبث والمراوغة:
نادت الأرنب: "يا أبا حسل!"
أجاب بصوت عميق: سميعاً دُعيتِ.
قالت: جئت أنا وهذا نختصم إليك.
قال: في بيته يؤتى الحكَم.
قالت: كانت بيدي ثمرة.
قال: حلوة فكليها.
قالت: فخطفها مني هذا فأكلها.
قال: ما يُبقي إلا الخير.
قالت: فلطمته!
قال: بحقك أخذتِ.
قالت: فلطمني!
قال: حُر انتصر.
قالت: فاقض بيننا.
قال: قد قضيت!
هكذا غدا "أبو حسل" في المخيال الساخر أباً روحياً للدبلوماسية المائعة؛ ذلك الفن القائم على مسك العصا من المنتصف، حيث لا يغضب الدبلوماسي أحداً، ولا يحل عقداً، ولا يربط أمراً. إن الكلام الدبلوماسي كائن مطاطي ذو وجوه عدة، يحتمل النقيضين ليبقى الجميع في دائرة الرضا الوهمي.
وحين ننفض الغبار عن قواميس الدبلوماسية المعاصرة، نجدها تطابق تماماً فلسفة جحر "أبي حسل"؛ فهي لا تفكك العقد الحقيقية ولا تقتلع جذور الأزمات، بل تكتفي بإزاحتها قليلاً إلى الأمام وتخدير الشعوب بمسكنات الوقت والوعود الزائفة. لقد مرّت أكثر من سبعة عقود على جرح فلسطين النازف، وقضايا كبرى أخرى تعصف بالعالم، وما زالت الدبلوماسية الدولية تدور في الحلقة المفرغة نفسها، تعيد إنتاج الخذلان تحت غطاء المفاوضات التي لا ترد حقاً لأهله ولا تُرضي طموحاً.
إن هذا الانحناء الدائم أمام الرياح، وتجنب المواجهة العادلة مع الحقائق، ليس حكمة سياسية، بل هو لون من ألوان الخداع الناعم. ومن يُسلّم زمام قضيته ومصير حقوقه إلى دهاليز الدبلوماسية وحدها، كمن يوقع بيده صك إعدامه وتدمير ما يملك. وما المشهد الدولي الراهن بعيداً عن هذا التأمل؛ فالدول الكبرى لا تترك مصائرها العليا للخطابات الدبلوماسية الباردة حين تعلق مصالحها الحيوية، بل تحسم أمرها بالقوة والندية.
أما في واقعنا المأزوم، فنرى بوضوح كيف تقف قوى البغي متصلبة لا تلين أمام لغة الدبلوماسية المهادنة، بينما تتهاوى الأوطان وتتآكل مقدرات الشعوب حين تُسلم قيادتها لرموز هشة أفرزتها صالونات التسويات الدولية، فلم تجنِ البلاد سوى الخراب والدمار. إن الأمة الحية لا تبني مجدها بحياد "أبي حسل" الميت، بل بالعدل الناجز، والوضوح القاطع، والإرادة التي لا تساوم على الحقوق الثابتة.