الحَوْليّات الطرابلسية



في السنوات الخمس عشرة الماضية اجتاح البارود الخارج من فوهات البنادق والمدافع سماء العاصمة الليبية طرابلس، ولم يغادرها إلى اليوم.

 

لقد تحوّلت شوارع طرابلس وأحياؤها إلى ساحات وميادين معارك بين مختلف الجماعات المسلحة، الأمر الذي أفضى إلى تلاشي السلام والاستقرار من شوارعها وطرقاتها. كما غدت محطة رئيسية لمهربي المخدرات والسلع من كل الأنواع والسلاح، وأصبحت قِبلةً للمهاجرين غير القانونيين القادمين إليها من بلدان أفريقيا وآسيا، وهو ما يثير لدى كثيرين مخاوف من تغيّر ديمغرافي طويل الأمد -مخاوف تغذيها شائعات متداولة، لم تُثبت أو تُنفَ بشكل قاطع، عن رغبة بعض دول شمال المتوسط في توطين المهاجرين في ليبيا.

 

اليوم صارت طرابلس مدينتين في مدينة واحدة؛ إحداهما تذكّرنا بما كانت عليه، والأخرى تنذر بما قد تصير إليه. وحين أزورها، من حين لآخر، أتجول في أزقّتها وحواريها وطرقاتها القديمة مستعيداً صوراً في الذاكرة. وكثيراً ما أتساءل: كيف تمكنت هذه المدينة من الصمود والبقاء في وجه كل المصائب والكوارث التي مرت بها عبر العصور؟

 

ومما يخطر في ذاكرتي حين أتجول في المدينة صور القفة.

 

فقد كان الليبيون قديماً يستخدمون القفاف المصنوعة من سعف النخيل وأليافه في تسوّقهم اليومي، وهي أنواعٌ وأحجام مختلفة. والقفة كلمة فصيحة وتعني المقطف وهو وعاء مصنوع من خوص النخيل مثل السلة تُحمل باليد للتسوق، وفي الأعراس كانت تُملأ القفف بالهدايا والطيوب ينقلها أهل العريس للعروس. وكثير من الليبيين يطلقون على القفة اسم مقطف أيضاً.

 

في الغرب الليبي يسمّون الصغيرة من القفف (قْرُوز)، ومتوسطة الحجم (قُفة)، وكبيرة الحجم (أعْلاقه). وفي منظومة الأمثال الشعبية الليبية تُوصف العاصمة طرابلس بأنها (قروز حداد). ذلك الوصف مصدره أن الحدادين بالمدينة قديماً كان كل واحد منهم يحمل (قروزاً) يضع فيه ما يحتاج إليه من عِدّة الشغل ومختلف أنواع وأحجام القطع المعدنية. والمعنى أنَّ المدينة طرابلس صغيرة الحجم ومختلطة الأجناس -مسلمين ومسيحيين ويهود- كما يختلط (قروز الحداد) بمختلف أنواع المعادن.

 

في كتب الرحالة العرب وغير العرب، تُوصف طرابلس بـ«المدينة البيضاء» لبياض بيوتها. وكانوا يميزونها عن مدينة «طرابلس لبنان» بتسميتها «طرابلس الغرب». وهي واحدة من المدن القديمة في العالم مثل القاهرة ودمشق وبغداد، لكنّها أقل صيتاً، وأصغر حجماً، وأقل سكاناً، وأكثر حميميةً.

 

ربما لا يعرف كثيرون أنَّ (اطْرابلس) -هكذا يلفظ الليبيون مدينتهم- تتميز عن باقي مدن العالم بكونها المدينة الوحيدة التي حكمها «قهوجي»! كان ذلك في العهد العثماني الأول (1551 - 1711)؛ في أواخر ذلك العهد، ضعف الولاة العثمانيون وصاروا مطيّة في أيدي ضباط وجنود الانكشارية الذين صاروا يعزلون وينصّبون الولاة كيفما شاءوا. وفي عام 1632 قاموا بقتل الوالي في القلعة، وذهبوا إلى سوق معروفة في المدينة تسمّى «سوق التُّرك»، لا تزال موجودة إلى اليوم وبنفس الاسم، ودخلوا مقهى وأخذوا صاحبه وساروا به إلى قلعة السراي الحمراء -مقر الوالي- وأجلسوه على كرسي الولاية! بقِي ذلك القهوجي في الحكم أحد عشر يوماً، قام خلالها بتفريغ الخزائن والفرار، فلحقوا به وقتلوه. الجدير بالذكر أن الجلوس على كرسي الولاية، في تلك القلعة آنذاك، يعني حكم شمال ليبيا كله. أي إن القهوجي خلال الأيام الأحد عشر التي قضاها على كرسي الولاية، كان في حقيقة الأمر، وفي ذات الوقت، حاكماً دون منازع.

 

حكاية تبدو غير قابلة للتصديق، كأنها حكاية من حكايات «ألف ليلة وليلة»، لكنها حقيقة تاريخية للأسف الشديد، رواها القنصل الفرنسي في طرابلس شارل فيرو، في كتابه المعنون بالفرنسية «الحَوْليّات الطرابلسية»، والذي ترجمه المرحوم الدكتور عبد الكريم الوافي إلى العربية تحت عنوان «الحوليّات الليبية».

 

(اطْرابلس) حالياً مدينتان تكادان تكونان منفصلتين في الروح والمعمار والتاريخ: واحدة صغيرة هي طرابلس القديمة التي عُرفت بأحيائها وحاراتها وأزقّتها الضيقة، وتقع على مسافة قريبة من السراي الحمراء ومواجهة للبحر، بأبواب عديدة لا تزال تحمل أسماءها القديمة؛ وهي مَن خاطبها متوعداً الشاعر الإيطالي المشهور غابرييلي دانّونتسيو في إحدى قصائده، بعد هزيمة القوات الإيطالية الغازية في معركة حربية عُرفت تاريخياً باسم معركة «شارع الشط»، في طرابلس وقت الغزو الإيطالي في عام 1911 بقوله: «طرابلس يا أرض الغدر، ستتأكدين أن كِعابَ روما برونزية، وأن قيودها من حديد».

 

وأخرى كبيرة وهي طرابلس الحديثة. الفرق بين الاثنتين أن الأولى مدينة مسوّرة لا تختلف عن متحف تاريخي حيّ، بينما الثانية خارج الأسوار أضاف إليها الإيطاليون بنى تحتية ونسقاً معمارياً إيطالياً حديثاً وجميلاً لا يزال باقياً إلى اليوم، وأنشأوا حولها مزارع نموذجية خلال المرحلة الاستعمارية، لكن هذه المزارع النموذجية تهتكت بعد طرد الإيطاليين منها وخربها الليبيون وتحول معظمها إلى منازل. إلا أنها في مراحل زمنية لاحقة ونتيجة الانتقال من الريف إلى المدن كبرت عشوائياً، وصارت قذىً للعين، خصوصاً أنه لم تكن هناك قيود على أشكال المنازل ومن هنا انتشر القبح، واختل الذوق.

 

ومثل غيرها من المدن العربية القديمة، خصوصاً مدن الشمال الأفريقي، كانت (اطْرابلس) طوال تاريخها عُرضةً للغزو وللاحتلال الأجنبي والاضطرابات والحروب وتمكنت من البقاء في تلك البقعة الجغرافية المميزة بين البحر والصحراء، بما يشبه معجزة.