الموسوعة القضائية الفقهية والعلمية مقارنة بالفقه الاسلامي والقضاء المصري واراء الفقهاء



التداخل في العمل القضائي وصلاحيات رئيس النيابة في التدخل في عمل وكلاء النيابة وأثره في استقلال القضاء والنيابة

*تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح*


*مقدمة*

تحتل النيابة العامة موقعاً بالغ الخصوصية في منظومة العدالة؛ فهي ليست جهازاً إدارياً عادياً، وليست محكمة تفصل في الخصومات، وإنما هي هيئة قضائية تتولى التحقيق وتحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها ومتابعة تنفيذ الأحكام، وتمارس الاختصاصات التي منحها لها القانون.


وقد قرر قانون السلطة القضائية اليمني أن النيابة العامة هيئة قضائية تمارس الاختصاصات المخولة لها قانوناً، وأنها تتولى التحقيق والإحالة في الجرائم وفقاً لقانون الإجراءات الجزائية. كما قرر أن النيابة العامة عند مباشرتها لمهامها تتولى، من بين اختصاصاتها، إجراء التحقيق وجمع الأدلة والإشراف والتفتيش على مراكز التوقيف والسجون للتأكد من مشروعية الحبس والتوقيف.


وفي الوقت ذاته، قرر القانون خضوع أعضاء النيابة لرؤسائهم بحسب التدرج الوظيفي، وهو ما يعني أن النظام اليمني لم يأخذ باستقلال عضو النيابة عن رئيسه على الصورة ذاتها التي أخذ بها باستقلال القاضي في حكمه.


ومن هنا تنشأ إشكالية دقيقة: متى تكون رقابة رئيس النيابة ممارسة مشروعة للسلطة الرئاسية، ومتى تتحول إلى تدخل في الاختصاص الإجرائي لعضو النيابة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالقبض والحبس والإفراج عن الإنسان؟



وتزداد خطورة المسألة عندما يصدر وكيل النيابة المختص قراراً بالإفراج، ثم يتدخل رئيس النيابة فيلغيه أو يعطله دون سلوك الطريق الذي حدده القانون للطعن أو المراجعة.


فهنا لا تعود المسألة مجرد خلاف إداري بين رئيس ومرؤوس، وإنما تصبح مرتبطة بثلاثة مبادئ كبرى:

1. حماية الحرية الشخصية.

2. مبدأ المشروعية الإجرائية.

3. استقلال العمل القضائي والنيابي في حدود الاختصاص الذي رسمه القانون.


وقد نص الدستور اليمني في المادة 149 على أن القضاء سلطة مستقلة قضائياً ومالياً وإدارياً، وأن النيابة العامة هيئة من هيئات السلطة القضائية، وأن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية جهة وبأية صورة التدخل في القضايا أو في شأن من شؤون العدالة.


ومن ثم فإن الدراسة لا تنطلق من رفض التدرج الرئاسي داخل النيابة، وإنما من البحث في حدود هذا التدرج عندما يصطدم باختصاص إجرائي يتعلق بحرية الإنسان.



---

*المبحث الأول: الأساس الدستوري لاستقلال القضاء والنيابة العامة*


*المطلب الأول: استقلال القضاء في الدستور اليمني*

يقرر الدستور اليمني في المادة 149 قاعدة شديدة الوضوح، مؤداها أن القضاء سلطة مستقلة، وأن القضاة لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، وأن التدخل في القضايا أو في شأن من شؤون العدالة جريمة يعاقب عليها القانون.


وهذا النص لا يحمي القاضي من التدخل السياسي أو الإداري فحسب، وإنما يؤسس لمبدأ أوسع هو: أن الاختصاص القضائي لا يجوز أن يخضع لإرادة شخص آخر خارج الحدود التي رسمها القانون.


والاستقلال هنا ليس امتيازاً للقاضي، وإنما ضمانة للمتقاضي وللمتهم والمجني عليه والمجتمع.


*المطلب الثاني: موقع النيابة العامة في السلطة القضائية*


أكد قانون السلطة القضائية أن النيابة العامة هيئة قضائية تمارس الاختصاصات المخولة لها قانوناً، وأنها تتولى التحقيق والإحالة في الجرائم وفقاً للإجراءات التي يحددها قانون الإجراءات الجزائية.


فعضو النيابة عندما يباشر التحقيق لا يعمل بوصفه موظفاً إدارياً يتلقى الأوامر في كل جزئية إجرائية، وإنما يباشر اختصاصاً قضائياً نيابياً منحَه القانون له.


ولكن في المقابل، نص قانون السلطة القضائية على أن أعضاء النيابة يتبعون رؤساءهم بترتيب وظائفهم.


إذن لدينا مبدآن يجب التوفيق بينهما:

الأول: النيابة العامة هيئة قضائية.

الثاني: أعضاء النيابة يخضعون للتدرج الرئاسي.

ولا يجوز إلغاء أحد المبدأين لحساب الآخر.


---


*المبحث الثاني: التمييز بين استقلال القاضي واستقلال عضو النيابة*


*المطلب الأول: استقلال القاضي*

استقلال القاضي يعني بصورة أساسية أن القاضي عند الفصل في الدعوى لا يخضع لأوامر رئيس المحكمة أو رئيس الجمعية أو أي سلطة أخرى في النتيجة التي ينتهي إليها الحكم.


فالرئيس الإداري للمحكمة لا يستطيع أن يأمر القاضي: احكم بالبراءة، أو احكم بالإدانة، أو ارفض الطلب، لأن ذلك يمثل تدخلاً في العمل القضائي.


*المطلب الثاني: استقلال عضو النيابة*

أما عضو النيابة، فالوضع أكثر تعقيداً. فالنيابة العامة هيئة واحدة، وهناك تسلسل رئاسي بين أعضائها، وهو أمر اعترف به القانون صراحة.


ولكن هذا لا يعني أن رئيس النيابة يستطيع أن يحل محل وكيل النيابة في كل قرار، وفي كل إجراء، وبمجرد إرادة شخصية، دون سند أو تسبيب أو اتباع للطريق الذي رسمه القانون.


والقاعدة التي أقترح اعتمادها في هذا المجال هي:

التدرج الرئاسي في النيابة لا يلغي الاختصاص، والرقابة الرئاسية لا تعني الحلول المطلق محل صاحب الاختصاص.

وهذه القاعدة هي مفتاح الدراسة كلها.


---

*المبحث الثالث: النصوص التي منحت رئيس النيابة سلطة التدخل*


*أولاً: المادة 54 من قانون السلطة القضائية*

قررت خضوع أعضاء النيابة لرؤسائهم بترتيب وظائفهم، ثم للنائب العام ثم لوزير العدل. وهذا يمثل الأساس التنظيمي للتدرج الرئاسي.

لكن هذا النص لا ينبغي أن يفسر بمعزل عن المادة 53 التي قيدت صلاحيات النيابة بعبارة: الصلاحيات المحددة لها وفقاً للقانون. فالرئيس يمارس السلطة الرئاسية وفق القانون، وليس فوق القانون.


*ثانياً: المادة 116 من قانون الإجراءات الجزائية*

منحت النائب العام سلطة التحقيق والادعاء وكافة الاختصاصات التي ينص عليها القانون، وأجازت له أن يباشر التحقيق بنفسه أو بواسطة أحد أعضاء النيابة العامة. وهذه المادة تؤكد وحدة النيابة العامة، لكنها تؤكد أن ممارسة الاختصاص تكون وفقاً للقانون.


*ثالثاً: المادة 217*

تنص على أن تصرف أعضاء النيابة في التحقيق يكون بعد إتمامه وفق القانون، وأن التصرف في الجرائم الجسيمة يخضع للسلطة التي يخولها النائب العام لأعضاء النيابة، وإذا كان التصرف من اختصاص شخص غير المحقق، فعلى المحقق إرسال الأوراق إلى المختص مشفوعة برأيه وأسبابه.

وهذا يكشف أن المشرع نفسه اعترف بوجود اختصاصات مختلفة داخل النيابة.


---

*المبحث الرابع: المادة 202 وحدود إعادة الحبس بعد الإفراج*

تنص المادة 202 على أن الأمر الصادر بالإفراج لا يمنع النيابة العامة من إصدار أمر جديد بالقبض على المتهم أو بحبسه إذا قويت الإدانة ضده أو أخل بالشروط المفروضة عليه أو جدت ظروف تستدعي اتخاذ هذا الإجراء.


والنص لم يجعل إعادة الحبس سلطة مطلقة، وإنما ربطها بثلاثة أسباب: قوة الأدلة، الإخلال بشروط الإفراج، ظهور ظروف تستدعي إعادة الإجراء.


فإذا أصدر وكيل النيابة قرار الإفراج، ثم لم يحدث أي تغير في الأدلة أو الظروف، ولم يقع إخلال بشروط الإفراج، فإن مجرد عدم رضا الرئيس عن القرار لا يساوي بذاته أحد الأسباب الثلاثة.


---

*المبحث الخامس: المادة 204 وأثر نفاذ الإفراج*

تقرر المادة 204 أنه متى أصبح الإفراج نافذاً، يصدر عضو النيابة أمر الإفراج إلى مدير المنشأة العقابية لإخلاء سبيل المتهم فوراً، ما لم يكن محبوساً لسبب آخر.


وهنا يبرز مبدأ: القرار النافذ لا يجوز تعطيل آثاره إلا وفق سند قانوني. فالجهة المنفذة ليست صاحبة سلطة في تقرير بقاء الإنسان في السجن أو خروجه. ولا يجوز أن يتحول السجن إلى مكان تتصارع فيه الأوامر المتعارضة.


---

*المبحث السادس: المادة 220 أخطر مواضع الخلط*

تنص المادة 220 على أن للنائب العام إلغاء القرارات الصادرة بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجزائية خلال أربعة أشهر، ولرئيس النيابة هذا الحق خلال شهرين.


المادة 220 لا تتحدث عن كل قرار يصدره وكيل النيابة، بل تتحدث تحديداً عن قرار بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجزائية، وهذا يختلف عن قرار الإفراج المؤقت. فالخلط بين القرارين قد يؤدي إلى توسيع سلطة الإلغاء بما لم ينص عليه القانون.


---

*المبحث السابع: المادة 226 تكشف أن المشرع وضع طريقاً خاصاً للطعن في الإفراج*

نصت المادة 226 على أن للنيابة العامة وحدها أن تطعن في الأمر الصادر بالإفراج عن المتهم المحبوس احتياطياً. ثم حددت المادة 227 ميعاد الطعن بثلاثة أيام، ونظمت المادة 228 إجراءات الطعن أمام محكمة الاستئناف، بينما قررت المادة 229 عدم تنفيذ الإفراج قبل انقضاء ميعاد الطعن.


وهذه المنظومة تكشف عن إرادة تشريعية واضحة: المشرع لم يترك قرار الإفراج بلا رقابة، ولكنه وضع للرقابة طريقاً إجرائياً محدداً.


والسؤال: إذا كان القانون قد حدد طريق الطعن في قرار الإفراج، فهل يجوز استبدال هذا الطريق بتدخل رئاسي مباشر؟


---

*المبحث الثامن: خطورة الجمع بين سلطة القرار وسلطة إلغائه*


*أولاً: تضارب القرارات*

قد يصدر وكيل النيابة الإفراج، ثم يصدر رئيس النيابة إلغاء الإفراج، ثم يعود وكيل النيابة إلى قرار آخر. وهكذا يصبح المواطن أمام إرادتين قانونيتين متعارضتين داخل الجهاز ذاته. وهذا يضر بالمتهم والمجني عليه ومأموري الضبط وإدارة السجن والثقة العامة في العدالة.


*ثانياً: صناعة التبعية النفسية*

الأخطر أن يشعر عضو النيابة أن عليه أن يستبق رأي رئيسه. فبدلاً من أن يسأل ماذا يقول القانون، يبدأ بالسؤال ماذا يريد رئيس النيابة؟ لأن استقلال العمل القانوني لا يتحقق إذا أصبح معيار القرار هو رضا الرئيس بدلاً من حكم القانون.


---

*المبحث التاسع: من استقلال القرار إلى استرضاء الرئيس*

هذه الظاهرة يمكن تسميتها: الاستقلال الشكلي والتبعية العملية.


فقد يكون عضو النيابة مختصاً قانوناً، لكن إذا كان يعلم أن رئيسه يستطيع إلغاء قراره في كل لحظة، أو أن مخالفته لرأي رئيسه قد تعرضه للمساءلة أو النقل، فقد يصبح الاستقلال مجرد استقلال شكلي.


وهنا يجب التفريق بين المساءلة التأديبية المشروعة، والمساءلة بسبب مضمون قرار قانوني اتخذه العضو في نطاق اختصاصه. الأولى ضرورية، أما الثانية إذا تحولت إلى وسيلة لإرغام العضو على تبني رأي الرئيس فإنها تهدم جوهر الاستقلال الوظيفي.


---

*المبحث العاشر: السلطة التأديبية ليست بديلاً عن الطعن*

إذا أخطأ عضو النيابة في أداء واجبه، فطريق الإصلاح هو الطريق القانوني المقرر للمراجعة أو التفتيش أو المساءلة التأديبية، وليس تحويل السلطة التأديبية إلى وسيلة لإملاء النتيجة القانونية عليه.


التأديب شيء، وإلغاء قرار الإفراج شيء آخر. والخلط بينهما يؤدي إلى أن يصبح الخوف من التأديب أقوى من الالتزام بالقانون.


---

*المبحث الحادي عشر: هل تدخل رئيس النيابة يمثل خرقاً لاستقلال القضاء؟*

لا يصح القول إن كل تدخل من رئيس النيابة في عمل وكيل النيابة يمثل خرقاً دستورياً لاستقلال القضاء؛ لأن قانون السلطة القضائية نفسه قرر التدرج الرئاسي داخل النيابة.


لكن تدخل رئيس النيابة يصبح محل إشكال قانوني ودستوري عندما يتجاوز حدود السلطة الرئاسية التي رسمها القانون، أو يستعمل خارج طريق المراجعة المقرر قانوناً، أو يؤدي عملياً إلى الحلول محل عضو النيابة صاحب الاختصاص دون سند، وبالأخص عندما يتعلق القرار بالحرية الشخصية.


---

*المبحث الثاني عشر: مقارنة ذلك باستقلال القاضي*

القاضي إذا أصدر حكماً لا يستطيع رئيس المحكمة أن يقول له ألغِ حكمك. وإنما الطريق هو الطعن الذي حدده القانون.


وهذه الفكرة يجب أن تمتد، بالقدر الذي يتفق مع طبيعة النيابة، إلى قرارات أعضاء النيابة ذات الطبيعة الإجرائية التي تمس الحرية.


---

*المبحث الثالث عشر: الفقه الإسلامي ومبدأ عدم التعسف في السلطة*

لا يعرف الفقه الإسلامي السلطة باعتبارها حقاً شخصياً، وإنما باعتبارها أمانة واختصاصاً لتحقيق المصلحة والعدل.


ومن القواعد الكبرى: تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، والضرر يزال، والأمور بمقاصدها، واليقين لا يزول بالشك.


وفي المجال الجزائي، لا يتحول الحبس إلى غاية في ذاته، وإنما يكون وسيلة لتحقيق مصلحة معتبرة. فإذا أصبح وسيلة لمعاقبة الشخص قبل ثبوت الجريمة، انقلب الإجراء الاحتياطي إلى عقوبة.


---

*المبحث الرابع عشر: الفقه المصري*

استقر الفكر الإجرائي المصري على التمييز بين الحبس الاحتياطي باعتباره إجراءً من إجراءات التحقيق وبين العقوبة التي لا تكون إلا بحكم. كما عرف ضوابط للإفراج وإمكان إعادة اتخاذ إجراءات الحبس عند تحقق شروط قانونية جديدة.


والعبرة: كل قرار يقيد الحرية يحتاج إلى سند قانوني وسبب قانوني وإجراء قانوني ورقابة قانونية.


---

*المبحث الخامس عشر: موضع الخلل التشريعي*

لا يكمن الخلل في وجود رئيس للنيابة، فالسلطة الرئاسية ضرورة. ولكن الخلل يظهر عندما لا تكون الحدود بين الاختصاص والرقابة والتوجيه والإلغاء والطعن واضحة بما يكفي. فإذا لم تكن واضحة، يمكن أن تنتقل سلطة رئيس النيابة من الإشراف على سلامة العمل إلى الحلول محل صاحب الاختصاص.


---

*المبحث السادس عشر: تضارب القرارات داخل النيابة*

المرحلة الأولى: وكيل النيابة يفحص ملف المتهم.

الثانية: يقدر أن شروط استمرار الحبس لم تعد قائمة.

الثالثة: يصدر قرار الإفراج.

الرابعة: يتدخل رئيس النيابة ويأمر بإلغاء الإفراج.

الخامسة: يبقى المتهم في السجن.


هنا يطرح السؤال: من صاحب القرار القانوني الحقيقي؟ إذا كان قرار الوكيل مرهوناً بالموافقة المسبقة أو اللاحقة للرئيس في كل واقعة، فإن الاختصاص يصبح اسمياً.


---

*المبحث السابع عشر: تحول وكيل النيابة إلى طالب إذن*

إذا اعتاد وكيل النيابة أن يطلب موافقة رئيس النيابة قبل إصدار قرارات الإفراج، ولو لم يكن القانون يشترطها، فقد ينشأ عرف إداري غير مكتوب: لا قرار إلا بموافقة الرئيس.


وهذا العرف لا يجوز أن ينشئ اختصاصاً لم يمنحه القانون. فالاختصاصات القضائية لا تنشأ بمجرد العادة الإدارية.


القاعدة: لا يجوز أن يتحول الإذن الإداري إلى شرط غير مكتوب لممارسة اختصاص منحه القانون.


---

*المبحث الثامن عشر والتاسع عشر: رأي المؤلف في إصلاح منظومة الإفراج*


يرى الباحث أن إعادة بناء منظومة الإفراج ينبغي أن تقوم على الفصل بين ثلاث وظائف:

الوظيفة الأولى: التحقيق يتولاها عضو النيابة المختص.

الوظيفة الثانية: الرقابة الرئاسية يمارسها رئيس النيابة في حدود القانون.

الوظيفة الثالثة: الرقابة القضائية على الحرية تكون للمحكمة المختصة.


مقترح أكثر اتزاناً: النيابة تحقق وتطلب وتقدر الحاجة إلى استمرار الحبس، ثم المحكمة المختصة تراقب استمرار تقييد الحرية وتصدر القرار القضائي النهائي في الحالات التي يحددها القانون.


وبذلك يصبح التسلسل: الضبط - النيابة - التحقيق - طلب استمرار الحبس أو الإفراج - المحكمة - القرار القضائي.


وإذا قررت النيابة الإفراج، فلا يصبح القرار محل صراع بين وكيل النيابة ورئيس النيابة، وإنما يكون للمحكمة القول الفصل.


---

*المبحث العشرون: مزايا جعل الرقابة النهائية على الحبس للقضاء*

1. إنهاء تضارب القرارات داخل النيابة.

2. حماية الحرية الشخصية لأن القاضي لا يتبع لا لرئيس النيابة ولا لجهة إدارية.

3. تعزيز الثقة فالمواطن يعرف أن مصيره لا يتوقف على اختلاف إداري.

4. حماية عضو النيابة فلا يصبح مضطراً إلى استرضاء رئيسه.

5. تقوية النيابة نفسها لأن رئيس النيابة يتفرغ للرقابة المؤسسية بدلاً من تفاصيل كل قرار فردي.


---

*المبحث الحادي والعشرون: حدود السلطة التأديبية*

لا يرى الباحث إلغاء السلطة التأديبية أو الرقابية، بل هي ضرورية. لكن ينبغي وضع قاعدة فاصلة: يجوز مساءلة عضو النيابة عن الفساد أو الرشوة أو الإهمال أو مخالفة القانون أو إساءة استعمال السلطة، ولا يجوز أن تكون المساءلة مجرد عقوبة على اتخاذ قرار قانوني في حدود اختصاصه لمجرد أن الرئيس لا يوافقه الرأي.


---

*المبحث الثاني والعشرون: التوازن بين وحدة النيابة واستقلالها*

المجالسلطة وكيل النيابةسلطة رئيس النيابةالسلطة القضائية

التحقيقمباشرإشراف ومراجعة قانونيةرقابة عند الحالات التي يحددها القانون

جمع الأدلةمباشرتوجيه ومتابعةرقابة قضائية عند اللزوم

الإفراجوفق القانونمراجعة في الحدود القانونيةرقابة / قرار وفق التشريع المقترح

إعادة الحبسوفق المادة 202 وأسبابهارقابة وفق القانونالرقابة القضائية

قرار لا وجهيصدر وفق الاختصاصسلطة المادة 220 في حدودهاالطعن وفق القانون

تنفيذ الإفراجيأمر به عند نفاذهلا يعطله بلا سندالرقابة القضائية

---

*المبحث الثالث والعشرون: القاعدة المقترحة*

يقترح الباحث إدخال قاعدة تشريعية واضحة مؤداها:

لا يجوز لرئيس النيابة إلغاء أو تعطيل قرار صادر من عضو النيابة المختص في شأن من شؤون الحرية الشخصية إلا في الحالات وبالإجراءات التي يحددها القانون، ولا يجوز أن تحول السلطة الرئاسية دون مباشرة عضو النيابة لاختصاصه القانوني، ويكون الطعن في القرارات وفق الطرق والمواعيد التي يحددها القانون.


كما يقترح النص صراحة على أن: لا يعد طلب موافقة رئيس النيابة شرطاً لممارسة اختصاص عضو النيابة إذا لم ينص القانون على ذلك صراحة.


---

*المبحث الرابع والعشرون: النتائج*


1. الدستور اليمني قرر استقلال القضاء ومنع التدخل في القضايا وجعل النيابة هيئة من هيئات السلطة القضائية.

2. قانون السلطة القضائية قرر أن النيابة هيئة قضائية وأن أعضاءها يخضعون للتدرج الرئاسي.

3. لذلك لا يصح اعتبار كل إشراف من رئيس النيابة خرقاً لاستقلال القضاء.

4. لكن لا يجوز أن تتحول السلطة الرئاسية إلى سلطة مطلقة تتجاوز الاختصاصات التي حددها القانون.

5. المادة 202 ربطت إعادة الحبس بعد الإفراج بأسباب محددة، ولم تجعل اختلاف الرئيس سبباً مستقلاً.

6. المادة 220 تتعلق بإلغاء قرار أن لا وجه، ولا تنص على سلطة عامة لإلغاء جميع قرارات الإفراج.

7. المواد 226-229 وضعت طريقاً خاصاً للطعن في أمر الإفراج، ولا يجوز الخلط بين الرقابة الرئاسية والطعن القضائي.

8. التوسع غير المنضبط في تدخل الرئيس يمكن أن يؤدي إلى تضارب القرارات داخل النيابة.

9. تضارب القرار يضر بالثقة ويضع إدارة السجن أمام أوامر متعارضة.

10. إذا أصبح عضو النيابة يطلب رضا رئيسه قبل اتخاذ القرار فقد يتحول الاستقلال الوظيفي إلى استقلال شكلي.

11. المساءلة التأديبية يجب ألا تتحول إلى وسيلة لإجبار عضو النيابة على تبني رأي رئيسه في مسألة قانونية قابلة للمراجعة.

12. الأفضل تشريعياً وضع حدود أكثر دقة بين التوجيه والمراجعة والإلغاء والطعن والتأديب.


---

*المبحث الخامس والعشرون: التوصيات الإصلاحية*


1. إعادة صياغة النصوص المنظمة للإفراج بحيث تحدد بدقة من يملك إصدار القرار ومن يملك مراجعته وما طريق المراجعة.

2. منع الإلغاء الشفهي: لا يجوز إلغاء قرار ماس بالحرية بتوجيه شفهي، ويجب أن يكون أي تدخل مكتوباً مسبباً محدد السند القانوني.

3. الفصل بين المادة 202 والمادة 220 وعدم استعمال المادة 220 كطريق عام لإلغاء الإفراج.

4. تفعيل المادة 226 بدلاً من صناعة طريق إداري موازٍ.

5. إنشاء رقابة قضائية فعالة على استمرار الحبس.

6. حماية عضو النيابة من التدخل غير القانوني مع الإبقاء على التفتيش والمحاسبة وفق القانون.

7. منع عرف الاستئذان غير المنصوص عليه.

8. تحديد المسؤولية: إذا أصدر عضو النيابة قراراً مخالفاً تكون هناك آلية قانونية لمراجعته، وإذا تدخل الرئيس خارج اختصاصه تكون هناك آلية للتظلم.


---

*رأي المؤلف والباحث*

أرى أن أكبر مواضع الخلل ليس وجود سلطة رئاسية داخل النيابة، وإنما غياب الحدود الدقيقة بين الرئاسة والاختصاص القضائي النيابي.


فالنيابة لا يمكن أن تعمل بلا رئيس، ولا يمكن أن تكون كل نيابة جزيرة مستقلة، وإلا تحولت الوحدة المؤسسية إلى فوضى. لكن الوحدة لا تعني أن يصبح القرار القانوني رهناً بإرادة الرئيس في كل واقعة.


ومن أخطر الصور أن يقول عضو النيابة: أنا مقتنع قانوناً بالإفراج، ولكنني لا أستطيع إصدار القرار حتى أعرف رأي رئيس النيابة. فإذا أصبح هذا هو الواقع، فقد انتقل القرار من القانون إلى رأي الرئيس.


وهنا يصبح السؤال: أين اختفى الاختصاص الذي منحه القانون لعضو النيابة؟


إنني أرى أن علاج المشكلة لا يكون بإضعاف رئيس النيابة، وإنما بتقوية القانون في مواجهة الأشخاص. ولهذا أقترح إعادة بناء منظومة الإفراج على قاعدة: النيابة تحقق، والنيابة تطلب، ورئيس النيابة يراقب في حدود القانون، والمحكمة تحسم المسائل القضائية المتعلقة باستمرار تقييد الحرية.


وعندئذ لا يصبح رئيس النيابة خصماً لوكيل النيابة، ولا يصبح وكيل النيابة طالباً لرضا رئيسه، ولا تصبح إدارة السجن طرفاً في تنازع الأوامر.


وتكون القاعدة:

لا رئيس فوق القانون، ولا عضو نيابة خارج القانون، ولا حبس بلا سند، ولا إفراج بلا إجراء، ولا إلغاء بلا اختصاص، ولا تدخل بلا نص، ولا مساءلة تأديبية لمجرد اختلاف الرأي القانوني.


*الخاتمة*

إن استقلال القضاء ليس مجرد نص دستوري، وإنما منظومة تبدأ من احترام الاختصاص وتنتهي باحترام القرار القانوني.


وإذا كان الدستور قد منع التدخل في القضاء وشؤون العدالة، فإن حماية هذا المبدأ لا تتحقق فقط بمنع السلطة التنفيذية من التدخل في المحاكم، وإنما تتطلب أيضاً بناء مؤسسات العدالة من الداخل على أساس واضح من الاختصاص والتدرج والتسبيب والرقابة والطعن والمساءلة.


والتدرج الرئاسي داخل النيابة ضرورة تنظيمية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سلطة تجعل عضو النيابة مجرد منفذ لرأي رئيسه.


فإذا كان القانون قد أعطى وكيل النيابة اختصاصاً، وجب أن يمارسه وفق القانون. وإذا أخطأ، فهناك التفتيش والمراجعة والطعن والتأديب. أما أن يصبح مجرد اختلاف الرئيس مع القرار سبباً لإلغائه دون تحديد النص والطريق والسبب، فذلك هو الموضع الذي يستحق إعادة النظر.


ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي ليس إلغاء سلطة رئيس النيابة، وليس إطلاق سلطة وكيل النيابة، بل تحديد سلطة كل منهما تحديداً يمنع التداخل ويصون استقلال العدالة ويحمي الحرية الشخصية.


وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن يقوم عليها الإصلاح:

الرئاسة للإشراف، والاختصاص لصاحبه، والطعن للقضاء، والتأديب للقانون، والحرية لا تقيد إلا بنص وسبب وإجراء.