الجنوب سداسي الأضلاع.. فلا تُسقطوا منه أحدًا
محمد المسبحي
لا شك أن أخطر ما يهدد أي مشروع سياسي ليس اختلاف أبنائه، وإنما محاولة إقناعهم بأن بعضهم أكثر جنوبية من بعض، وأن مكوّن سياسي واحد يستطيع اختزال وطن كامل، أو أن ثلاث مناطق يمكن أن تختصر قضية الجنوب، ثم يأتي اليوم من يعيد رسم المشهد في مربع جديد، وكأننا لم نتعلم شئ من سنوات الانقسام التي مزقت الجنوب وأضعفت قضيته، وأهدرت كثيرًا من تضحيات أبنائه.
فالجنوب ليس مثلث يُقصى منه ضلع، ولا مربع يُعاد تشكيله وفق موازين القوة واللحظة السياسية. الجنوب أكبر من أن يُختزل في مكون، وأوسع من أن يُختصر في جغرافيا، وأعمق من أن يصبح ملكية سياسية حصرية لطرف دون غيره. ومن يخطئ في رسم خريطة الجنوب اليوم، لن يستطيع أن يرسم دولة مستقرة غدًا.
نحن نعلم منذ الصغر أن الجنوب سداسي الأضلاع، وإذا سقط ضلع منه تداعت بقية الأضلاع.
وهذه ليست معادلة هندسية بقدر ما هي حقيقة سياسية. فالقوة الجنوبية لا تنشأ من حذف الاختلافات، وإنما من إدارتها داخل إطار واحد. وكل محاولة لبناء جنوب ناقص ستنتج بالضرورة جنوب أكثر انقسام، حتى لو رفعت شعارات الوحدة الجنوبية نفسها.
والمشكلة أن بعض القوى ما زالت تتعامل مع الجنوب بعقلية الغالب والمغلوب، وكأن الطريق إلى المستقبل يمر عبر إلغاء الآخرين، لا عبر إشراكهم. ولهذا يتغير شكل الخريطة في الخطاب السياسي من مثلث إلى مربع، بينما تبقى العقلية ذاتها: اختزال الجنوب في مجموعة محددة من المناطق، ثم تقديم هذا الاختزال باعتباره تمثيل كامل للجنوب.
وهنا تكمن الخطورة؛ فالجنوب ليس عدن وحدها، وليس أبين وحدها، وليس شبوة وحدها، وليس حضرموت وحدها، وليس المهرة أو سقطرى أو لحج والضالع وحدها. هو كل هذه الجغرافيا بتنوعها السياسي والاجتماعي والتاريخي، وبما تحمله كل منطقة من مصالح وخصوصيات وتضحيات وذاكرة سياسية لا يمكن شطبها بقرار أو بيان أو مؤتمر.
لقد دفع الجنوب ثمن باهظ عندما تحولت الاختلافات السياسية إلى صراع على التمثيل، وعندما اعتقدت قوى أن امتلاك القوة في منطقة ما يمنحها تلقائيا حق الحديث باسم الجميع. النتيجة لم تكن جنوب أكثر تماسك، بل مساحات أوسع من الشك والحساسيات والتنافس.
والأخطر أن البعض يريد اليوم إعادة إنتاج التجربة نفسها بأسماء جديدة.مرة يجري اختزال الجنوب في ثلاثة أضلاع، ومرة في أربعة، ومرة في تحالف من مكونات محددة، وكأن المشكلة في عدد الأضلاع، لا في عقلية الاختزال ذاتها.
نحن لا نحتاج إلى هندسة سياسية تحذف ضلع لكي يستقيم الشكل. نحتاج إلى مشروع يتسع للجميع.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الحديث عن استعادة الجنوب إلى عملية استعادة داخل الجنوب نفسه؛ يستعيد طرف الجنوب من طرف آخر، ثم يستعيده طرف ثالث من الطرفين، حتى يصبح المشروع الذي يفترض أن يجمع الناس سبب جديد لتفريقهم.
وما لم نتعلم من السنوات الماضية، فسوف نعيد إنتاجها بأدوات جديدة، ووجوه جديدة، وشعارات أكثر لمعان لكن بالنتيجة ذاتها.
والجنوب الذي يريد أن يكون دولة لا يستطيع أن يبدأ مشروعه بمنطق المكون الواحد. والدولة التي تُبنى على إقصاء جزء من جغرافيتها ستظل تحمل بذرة أزمتها في داخلها، مهما بدا المشهد قويا في بدايته.
ولا نحتاج جنوب مثلث، ولا مربع، ولا شكلً سياسي مفصل على مقاس طرف واحد. نحتاج جنوب كامل، يعرف أن تعدده ليس نقطة ضعف، وأن اختلاف مناطقه ليس عيبا وأن الشراكة ليست تنازلا، بل هي أساس الدولة.
فالجنوب الذي لا يتسع لكل أبنائه لن يستطيع أن يقنع العالم بأنه قادر على بناء دولة تتسع للجميع.ومن يريد جنوب قوي، فليحافظ على أضلاعه الستة
لأن إسقاط ضلع واحد لن يصنع مثلث ولا مربع قوي وسيكشف أن البناء كله كان أضعف مما يبدو.
فاتركوا خلافاتكم جانبا، فقد دفع الجميع ثمن هذه الأرض، وقدّم أبناؤها الغالي والنفيس. لا تجعلوا اختلاف السياسة سببا لإسقاط ضلع من أضلاع الجنوب.
وعلّموا أبنائكم أن الجنوب سداسي الأضلاع، و لا احد يملك حق اختزاله أو احتكار تمثيله. ومن يريد جنوب مستقر وقابل للحياة، فعليه أن يبنيه مع الجميع؛ لأن إسقاط ضلع اليوم قد يفتح بابا لانهيار البناء كله غدا.
هذه هي الرسالة التي يجب أن تفهمها كل القوى: الجنوب لا يستقر بالإقصاء، ولا ينجح باحتكار تمثيله بل بالشراكة التي تحفظ لكل ضلع مكانه.