حين يصبح الميكروفون ملكًا للسياسة.. من بقي للإعلام؟



الإعلام الذي يُطلب منه أن يصفق للسلطة أو الحزب أو الجهة التي تموله، لم يعد إعلامًا بالمعنى الذي نعرفه.. بل صار وظيفة تؤدى داخل غرفة سياسية مغلقة.

لطالما بدا لي الإعلام مهنة مختلفة عن بقية المهن؛ مهنة لا تكمن قيمتها في الراتب أو المكتب أو الميكروفون أو الكاميرا، وإنما في قدرتها على أن تكون عينًا ترى، وأذنًا تسمع، وصوتًا ينقل للناس ما يحدث دون أن يتحول الصحفي إلى بوق لأحد.

لكن كلما اقتربت أكثر من هذا المجال، وجدت نفسي أمام سؤال مزعج: هل ما زال هناك مكان للإعلامي الذي يريد أن يكون إعلاميًا فقط؟

السؤال ليس تشاؤمًا، ولا هو حكم مسبق على كل المؤسسات الإعلامية، لكنه سؤال تفرضه تجارب ومشاهدات كثيرة تتكرر في الواقع الإعلامي العربي.

المشكلة تبدأ أحيانًا قبل أن يمسك الصحفي الميكروفون.

تبدأ عندما يُطلب منه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن يعرف أولًا: مع من أنت؟

قبل أن يُسأل عن قدرته على إعداد التقرير، أو إدارة الحوار، أو التحقق من المعلومات، أو صياغة الخبر، أو فهم القضايا التي يتناولها، قد يجد نفسه أمام سؤال آخر أكثر أهمية بالنسبة لبعض المؤسسات: هل ستكتب بالطريقة التي نريدها؟ هل ستقول ما نريد قوله؟ هل ستسير في الاتجاه الذي نحدده؟

وهنا تبدأ المهنة في خسارة معناها شيئًا فشيئًا.

فالصحفي الذي يدخل المؤسسة الإعلامية باعتباره مهنيًا، قد يجد نفسه مطالبًا بأن يدخلها أيضًا باعتباره جزءًا من مشروع سياسي أو إعلامي أو حزبي. ويصبح المطلوب منه ليس فقط أن يؤدي عمله، وإنما أن يتبنى "الخط"، وأن يعرف مسبقًا أين يقف، وماذا يقول، ومتى يصمت، ومن ينتقد، ومن يمدح.

وكأن الشهادة الإعلامية والخبرة المهنية لم تعودا كافيتين.

وكأن الصحفي لا بد أن يحمل معها بطاقة ولاء.

من يخدم من؟

السؤال الجوهري هنا ليس: هل للمؤسسة الإعلامية سياسة تحريرية؟

بالطبع لكل مؤسسة سياسة تحريرية، ومن الطبيعي أن يكون لها توجه واضح في اختيار القضايا والزوايا والضيوف وطريقة المعالجة.

لكن هناك فرق شاسع بين السياسة التحريرية وبين تحويل الصحفي إلى موظف سياسي.

السياسة التحريرية تضع إطارًا مهنيًا للعمل.

أما عندما يُطلب من الصحفي أن يتنازل عن قناعته، أو أن يتجاهل حقيقة، أو أن يجمّل موقفًا، أو أن يهاجم طرفًا لأنه خصم للجهة التي يعمل معها، فهنا لا يعود الأمر متعلقًا بالتحرير وحده.


هنا يصبح السؤال متعلقًا بضمير الصحفي نفسه.

والإعلامي الذي يخسر استقلاله مرة، قد يجد نفسه مضطرًا إلى خسارته مرة ثانية وثالثة، حتى يصبح التنازل عن القناعة أمرًا طبيعيًا، ويصبح الصمت مهارة، والمجاملة جزءًا من الوصف الوظيفي.

وهنا تكمن الخطورة.

عندما يصبح الميكروفون ملكًا لمن يموله

حتى الإعلام الرسمي، الذي يفترض أن يكون صوتًا للمجتمع والدولة ومؤسساتها، لا ينبغي أن يتحول إلى ملكية خاصة لمن يجلس في موقع المسؤولية.

فالإذاعة الرسمية ليست ميكروفون المدير.

والقناة الرسمية ليست شاشة المسؤول.

والصحيفة العامة ليست صحيفة الشخص الذي يملك قرار التعيين.

هذه المؤسسات، في جوهرها، يفترض أن تكون موجهة إلى الناس، وأن تعمل وفق قواعد مهنية واضحة، لا وفق مزاج الأشخاص وتبدلات مواقفهم.

لكن المشكلة تظهر عندما تختلط المؤسسة بالشخص، والوظيفة بالولاء، والمهنية بالعلاقة الشخصية.


عندها يمكن أن يصبح الميكروفون مفتوحًا لشخص ومغلقًا أمام آخر، ليس لأن الأول أكثر أهمية بالنسبة للجمهور، وإنما لأنه أقرب إلى أصحاب القرار.

وقد يصبح السؤال داخل غرفة الأخبار ليس: ما الذي يحتاج الناس إلى معرفته؟

بل: ما الذي نريد للناس أن يسمعوه؟

وهذا الفارق الصغير في الكلمات قد يصنع فارقًا هائلًا في وظيفة الإعلام.

الصحفي ليس موظف علاقات عامة

هناك فرق بين الإعلام والعلاقات العامة.

موظف العلاقات العامة يعمل من أجل تحسين صورة الجهة التي يمثلها.

أما الصحفي فوظيفته الأساسية أن يخدم الجمهور بالمعلومة، وأن يبحث، ويتحقق، ويسأل، ويضع المسؤول أمام الأسئلة التي قد لا يرغب في سماعها.

ليس مطلوبًا من الصحفي أن يكون معارضًا دائمًا، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يكون مؤيدًا دائمًا.

المطلوب أن يكون مهنيًا.

وهذه نقطة مهمة جدًا.


الإعلام الحر لا يعني أن يتحول كل صحفي إلى خصم للسلطة، ولا يعني أن تكون وظيفة الإعلام التشكيك في كل شيء.

الإعلام الحر يعني ببساطة أن تكون هناك مساحة يستطيع فيها الصحفي أن يقول: هذه المعلومة غير دقيقة، وهذا السؤال لم تتم الإجابة عنه، وهذا المواطن لديه شكوى، وهذا المسؤول مطالب بالتوضيح، وهذه الرواية تحتاج إلى دليل.

الإعلام لا يصبح حرًا عندما يقول "لا" للجميع.

بل عندما يستطيع أن يقول "نعم" و"لا" و"لماذا؟" دون أن تكون الإجابة مرتبطة بمصلحة الجهة التي يعمل لديها.

ماذا يبقى من الصحفي إذا صادروا صوته؟

ربما يستطيع الصحفي أن يغير المؤسسة.

وربما يستطيع أن يغير البرنامج.

وربما يستطيع أن يغير القناة.

لكن ما يصعب عليه تغييره هو نفسه.

لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإعلامي ليس أن يخسر وظيفة، وإنما أن يعتاد التنازل.

أن يقول لنفسه في المرة الأولى: لا بأس، إنها مجرد تغريدة.

وفي المرة الثانية: لا بأس، إنه مجرد عنوان.

وفي المرة الثالثة: لا بأس، إنها مجرد جملة حُذفت من التقرير.

ثم يكتشف بعد سنوات أنه لم يعد يعرف أين انتهت قناعاته وأين بدأ "خط المؤسسة".

وهنا لا يعود السؤال: هل الصحفي يعمل في إعلام رسمي أم خاص؟

بل: هل ما زال يعمل صحفيًا أصلًا؟

لا نريد إعلامًا بلا مسؤولية.. بل إعلامًا بلا وصاية

من السهل أن نرفع شعار "الإعلام الحر"، لكن الحرية وحدها ليست كافية.

الإعلام يحتاج أيضًا إلى المهنية، والتحقق، والدقة، واحترام الخصوصية، والابتعاد عن التشهير، والتمييز الواضح بين الخبر والرأي، والاعتراف بالخطأ عندما يقع.

لكن كل هذه القواعد المهنية لا تعني أن الصحفي يجب أن يتحول إلى شخص بلا رأي أو بلا ضمير.

الإعلامي إنسان قبل أن يكون موظفًا.

له قناعاته، وأسئلته، وحساسيته تجاه الظلم، وقراءته للمجتمع، وموقفه من القضايا العامة.

والمؤسسة المهنية لا تحتاج إلى أن تصنع من الصحفي نسخة منها.

بل تحتاج إلى أن تعرف كيف تستفيد من اختلاف الصحفيين داخل إطار مهني واضح.

فالاختلاف ليس خطرًا على الإعلام.

الخطر الحقيقي هو أن يصبح الجميع نسخة واحدة.

المشكلة ليست في وجود خطوط تحريرية.. بل في اختفاء المسافة

كل مؤسسة إعلامية في العالم لديها اختياراتها.

لكن هناك مسافة ضرورية بين المؤسسة والصحفي.

هذه المسافة هي التي تسمح للصحفي بأن يسأل.

وهي التي تسمح للمحرر بأن يراجع.

وهي التي تسمح للمؤسسة بأن تصحح.

وهي التي تمنع الميكروفون من التحول إلى مكبر صوت لطرف واحد.

وعندما تختفي هذه المسافة، تتحول غرفة الأخبار تدريجيًا إلى غرفة توجيه.

يأتي القرار من الأعلى، ثم ينزل إلى المحرر، ثم إلى الصحفي، ثم يصل إلى الجمهور على هيئة "خبر".

وفي النهاية يظن الناس أنهم أمام إعلام، بينما هم أمام رسالة معدة سلفًا.

وهنا تفقد المهنة أهم ما تملكه: الثقة.

لا يمكن بناء إعلام محترم بصحفي خائف

الصحفي الذي يخاف على وظيفته في كل مرة يطرح فيها سؤالًا لن يستطيع أن يؤدي الدور الذي ينتظره منه المجتمع.

والصحفي الذي يعرف أن راتبه أو استمراره في العمل مرتبط بمدى انسجامه مع موقف سياسي معين، سيجد نفسه مع الوقت أمام خيارين صعبين: إما أن يصمت، أو أن يتنازل.

وفي الحالتين يخسر الإعلام.

لأن المجتمع لا يحتاج فقط إلى شخص يحمل الميكروفون.

المجتمع يحتاج إلى شخص يستطيع أن يستخدمه دون أن يرتجف أمام اسم المسؤول، ودون أن يحسب كل كلمة وفقًا لمصلحة الجهة التي يعمل معها.

المشكلة ليست أن يكون الصحفي شجاعًا في مواجهة الآخرين.

المشكلة أن يكون قادرًا على الاحتفاظ بضميره المهني عندما يكون ثمن ذلك مرتفعًا.

هل أصبح الاستقلال ترفًا؟

ربما هذه هي المفارقة الأكبر.

في الوقت الذي أصبحت فيه التكنولوجيا تتيح لأي شخص أن ينشر خبرًا أو يصور حدثًا أو يعلق على قضية خلال دقائق، أصبحنا بحاجة أكبر إلى الصحفي المهني، لا إلى صحفي أقل.

لكن الصحافة الحقيقية لا تقوم فقط على امتلاك الهاتف والكاميرا والمنصة.

تقوم على السؤال والتحقق والمقارنة والتدقيق والقدرة على الفصل بين ما نريد أن يكون صحيحًا وما هو صحيح بالفعل.

ولهذا فإن استقلال الصحفي ليس رفاهية.

إنه جزء من قيمة المهنة نفسها.

فإذا كان الصحفي لا يستطيع أن يسأل إلا الأسئلة المسموح بها، وأن ينتقد فقط من يُسمح له بانتقاده، وأن يمتدح فقط من يُطلب منه مدحه، فما الذي يميزه عن أي منصة دعائية؟

الإعلام الذي نريده

نحن لا نحتاج إلى إعلام مثالي، فهذا غير موجود.

ولا نحتاج إلى صحفيين يدّعون أنهم بلا انحيازات بشرية.

نحتاج فقط إلى إعلام يعرف حدوده المهنية، وإلى مؤسسات تفرق بين الانتماء المؤسسي وبين الولاء السياسي، وإلى إدارات تفهم أن الصحفي ليس قطعة أثاث يمكن تحريكها حسب الحاجة.

نحتاج إلى مؤسسات تستطيع أن تقول للصحفي:

كن مهنيًا.

بدل أن تقول له:

كن معنا.

نحتاج إلى أن يكون معيار التوظيف هو الكفاءة، لا القرب.

وأن يكون معيار التقييم هو جودة العمل، لا عدد المرات التي أعاد فيها الصحفي نشر خطاب المؤسسة.

وأن يكون معيار النجاح هو ثقة الجمهور، لا رضا المسؤول.

فالصحفي الذي يختلف مع مديره في قضية مهنية لا ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى خصم.

والصحفي الذي يطرح سؤالًا محرجًا لا ينبغي أن يُعامل وكأنه ارتكب خيانة.

والصحفي الذي يرفض أن يكون بوقًا لا ينبغي أن يُتهم بأنه لا يفهم "طبيعة العمل".

في النهاية.. لمن هذا الميكروفون؟

ربما هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في كل غرفة أخبار:

لمن هذا الميكروفون؟

إذا كان الميكروفون للمدير، فليقل ذلك بوضوح.

وإذا كان للحزب، فليُسمَّ منصة حزبية.

وإذا كان للسلطة، فليُعلن أنه منبر رسمي لها.

أما إذا قيل لنا إنه إعلام، فحينها يجب أن يكون للجمهور.

للناس الذين يريدون أن يعرفوا ما يحدث.

للمواطن الذي يبحث عن صوته في نشرات الأخبار.

للمظلوم الذي يريد أن تُسمع شكواه.

وللمسؤول الذي يجب أن يعرف أن موقعه لا يعفيه من السؤال.

وللحقيقة التي لا ينبغي أن تحتاج إلى بطاقة حزبية حتى تدخل الاستوديو.

أنا لم أدخل هذا المجال بعد، وربما لهذا السبب تحديدًا ما زلت أرى الصورة بقدر من الدهشة.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا:

الإعلام مهنة جميلة عندما يكون هدفها البحث عن الحقيقة، وعندما يكون الصحفي فيها صاحب مهنة وضمير، لا مجرد موظف يؤدي تعليمات.

أما عندما يصبح المطلوب من الإعلامي أن يكون تابعًا لخط سياسي قبل أن يكون صحفيًا، وأن يقيس كلماته وفقًا لرضا الأشخاص لا وفقًا لمعايير المهنة، فإننا لا نكون أمام إعلام بالمعنى الذي نحلم به.

نكون أمام شيء آخر.

شيء قد يحمل اسم قناة، أو إذاعة، أو صحيفة، وقد يمتلك أحدث الاستوديوهات وأقوى الميكروفونات وأوسع المنصات...

لكن الميكروفون، مهما كان حديثًا، لا يصنع إعلامًا إذا لم يكن خلفه صحفي يستطيع أن يقول الحقيقة دون أن يسأل أولًا: هل تسمحون لي؟