الحصار يضع نظام الملالي على حافة السقوط
محمد المسبحي
عندما تقرأ التاريخ الإيراني بعين المراقب المتأمل، تدرك أن طهران نادراً ما كانت تعيش على حافة الهامش؛ فهي إما في قلب العاصفة أو تصنعها. غير أن ما يواجهه نظام الملالي الايراني اليوم يختلف في جوهره عن كل ما عاشته منذ عقود. الحصار الذي تضيق حلقاته يوماً بعد يوم، براً وبحراً وجواً، لا يسعى فقط إلى ثني النظام عن سياساته أو دفعه إلى طاولة المفاوضات بشروط مغايرة، بل يبدو كأنه محاولة لإعادة رسم حدود الحركة الإيرانية، سياسياً واقتصادياً وإقليمياً.
وفي الشارع الإيراني، حيث تختلط رائحة التاريخ بيوميات الناس المثقلين بالهموم، يبدو الاقتصاد كمن يتنفس عبر أنبوب أكسجين شارف على النفاد. وحتى أسطول الظل الذي اعتمدت عليه طهران لتهريب نفطها وتجاوز العقوبات بات أكثر عرضة للرصد والضغط، فيما تضيق مساحات الحركة أمام الطيران والملاحة. وهذا يعني أن نوافذ النقد الأجنبي التي اعتمدت عليها البلاد لسنوات تواجه ضغوطاً متزايدة. وحين يفقد الريال الإيراني ما تبقى من قوته الشرائية أمام التضخم، تتحول ميزانية الدولة تدريجياً من أداة للتنمية إلى أداة لإدارة الأزمات، وتأمين الغذاء والرواتب والاحتياجات الأساسية، لينزلق الاقتصاد نحو منطق البقاء؛ بلا استثمار كافي وبلا أفق واضح.
وهذا الخناق المعيشي لا يتوقف عند أرقام البنوك وانما يمتد إلى المجتمع بأسره. الطبقة الوسطى تتآكل تحت وطأة الغلاء، والأحلام البسيطة تصبح أكثر صعوبة، فيما يتحول الاقتصاد من قضية مالية إلى مصدر مباشر للتوتر الاجتماعي. والشارع الذي خبر الاحتجاجات مراراً قد يجد في لقمة العيش سبباً كافياً لاستعادة الاحتجاج، بينما يبقى الاحتقان المتراكم أشبه بجمر تحت الرماد. والأخطر من ذلك هو نزيف العقول والهجرة الصامتة للشباب والنخب، حين يصبح الخارج في نظر كثيرين مساحة أوسع للمستقبل من الداخل.
وأمام هذا المأزق المزدوج، الداخلي الضاغط والخارجي المتصاعد، تجد مراكز القرار في طهران نفسها أمام خيارات أكثر ضيقاً من السابق. أحدها هو التخندق والانغلاق، وتشديد القبضة الأمنية والسياسية، وتحويل الحصار إلى مبرر لمزيد من التشدد الداخلي والتصعيد الإقليمي ورفع كلفة المواجهة على الخصوم. والآخر هو الواقعية الاضطرارية، حيث تدفع الضغوط الاقتصادية والسياسية باتجاه تسوية أوسع، تتضمن إعادة النظر في بعض الملفات النووية والإقليمية، مقابل تخفيف الخناق وفتح منافذ الاقتصاد.
وهكذا يكتمل المشهد: حصار يضغط على الاقتصاد، واقتصاد ينهك المجتمع، ومجتمع يضيّق هامش الحركة أمام القرار السياسي. ولهذا فإن إيران لن تخرج من هذه المواجهة كما دخلتها. فحين تضيق موارد الدولة وتتآكل مساحة المناورة، يصبح الحفاظ على النهج القديم أكثر كلفة، ويصبح التغيير أقرب من أي وقت مضى إلى استحقاق تفرضه الوقائع.