حماقة العباقرة بزر القميص



تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح


ليس كلُّ من علا مقامُه علا قدرُه، ولا كلُّ من كثر أتباعُه كثر صوابُه، ولا كلُّ من لبس ثوبَ الحكمة كان في ثوبه حكيمًا.


فكم من رجلٍ أقام لنفسه عرشًا من الألقاب، ثم عجز عن الجلوس على مقعدٍ من التواضع!


وكم من عقلٍ ظنَّ أنه شمسُ زمانه، فإذا بأبسط حادثةٍ تكشف أن في مصباحه زيتًا كثيرًا، ونورًا قليلًا.


إن أخطر ما يصيب بعضَ من يظنون أنفسهم عباقرة، أن تُصدِّقهم المرايا طويلًا؛ فيحسبون انعكاسَ صورتهم في عيون الناس حقيقةً ثابتة، وينسون أن المرآة لا تمنح الإنسان طولًا ولا علمًا ولا فضلًا، وإنما تردُّ إليه ما يقف أمامها.


والأشدُّ خطرًا من غرور العلم، غرور المكانة؛ لأن الجاه إذا دخل عقلًا صغيرًا خرج منه انتقامًا كبيرًا.


عندها لا يعود الاختلاف اختلافًا، بل يصبح عصيانًا.



ولا يعود الاستقلال استقلالًا، بل يصير تهمة.


ولا يعود عدم الاتباع موقفًا فكريًا، بل يتحول في ميزان النفوس المريضة إلى ذنبٍ يستحق العقوبة.


وهنا تبدأ المأساة:


من لم يملك الحجة، استعمل الهيبة؛ ومن عجز عن إقناع العقل، حاول إخضاع صاحبه؛ ومن لم يستطع أن يصنع أتباعًا بالفكر، حاول أن يصنعهم بالخوف.


وما أسهل أن يكون المرء عظيمًا ما دام الناس يصفقون له، وما أصعب أن يبقى عظيمًا حين يقف أمامه رجلٌ حرٌّ لا يصفق، ولا ينحني، ولا يبيع رأيه بكرسي، ولا ضميره بقرب.


ولذلك كان الاستقلال في كل زمانٍ امتحانًا ثقيلًا.



فقد يرفعون التابعَ لأنه تابع، ويخفضون المستقلَّ لأنه مستقل؛ وقد يفتحون أبوابهم لمن أحسن الانحناء، ويغلقونها في وجه من أحسن الوقوف.


وقد يمرُّ عالمٌ كاملٌ في التاريخ لأن لسانه لم يكن لسان جماعة، وقد يُدفن اسمُ صاحب فكرة لأن صاحبها لم يعرف طريقًا إلى موائد النفوذ.


لكن التاريخ، وإن تأخر، ليس أعمى.


إنه يؤجل الحساب ولا يلغي الحساب.


وما أكثر الذين ظنوا أن إسكات الصوت إعدامٌ للحقيقة، فإذا بالحقيقة تعيش بعدهم، ويعيش معها السؤال:


لماذا حاربوا من لم يتبعهم؟



وهنا يأتي زرُّ القميص.


ذلك الشيء الصغير الذي يبدو تافهًا في عين المتكبر، لكنه قد يكون أبلغ من خطبة، وأصدق من لقب، وأشد كشفًا من شهادة.


فالإنسان الكبير حقًا يُعرف في الصغير؛ لأن العظيم لا يحتاج إلى عظمة الأشياء كي يظهر عظيمًا.


أما من كان كبيرًا بالاسم، فقد تفضحه حركة يد، أو كلمة عابرة، أو موقفٌ صغير، أو زرٌّ استعصى عليه أن يدخل في عروته.


هناك تعرف الفرق بين من يملك المقام، ومن يملكه المقام.


الأول يستخدم مكانته ليحمي الحق.



والثاني يستخدم الحق ليحمي مكانته.


الأول إذا خالفته أكرمك.


والثاني إذا خالفته أكرهك.


الأول يرى في الاختلاف حياةً للعقل.


والثاني يرى فيه إهانةً لسلطانه.


فيا لها من مفارقة:



عقلٌ يدّعي العبقرية، ثم يعجز عن احتمال رأيٍ آخر!

ومقامٌ يدّعي الحكمة، ثم يضيق بصوتٍ حر!

وعالِمٌ يزعم أنه يحارب الجهل، ثم يحارب كلَّ من لا يجهل بطريقته!


تلك ليست عبقرية.


تلك حماقةٌ ترتدي ثوب العبقرية.


وليس العيب أن يخطئ الإنسان؛ فالخطأ من طبيعة البشر، ولكن العيب أن يجعل من مكانته جدارًا يحجب عنه رؤية خطئه.


وليس العيب أن يختلف الناس معك؛ فالاختلاف دليل أن العقول ما زالت حية، ولكن العيب أن تجعل من نفوذك عقوبةً على من لم يبايع رأيك.


أما نحن، فلن نستكين لهذا المعيار، ولن نطلب مكانًا في صفوف المصفقين، ولن نشتري قربًا بثمن الكرامة.


فما قيمة مقامٍ يُمنح لمن ينحني؟


وما قيمة علمٍ يحتاج إلى أتباع كي يثبت نفسه؟


وما قيمة مجدٍ لا يعيش إلا في ظل الخوف؟


المجد الذي يستحق البقاء هو الذي يمشي على قدميه، لا الذي يحمله الأتباع على أكتافهم.


سنظل نختلف حين يكون الاختلاف حقًا، ونقول حين يكون القول واجبًا، ونصمت حين يكون الصمت حكمة، ولا نجعل من القلم تابعًا للكرسي، ولا من العقل حارسًا على باب أحد.


فقد يملك الإنسان سلطةً تمنع الناس من الاقتراب منه، لكنه لا يملك سلطةً تمنع الحقيقة من الاقتراب منه.


وقد يستطيع أن يعاقب تابعًا خرج من الصف، لكنه لا يستطيع أن يعاقب التاريخ حين يكتب.


والزمن لا يسأل:


كم كان حوله من تابع؟


بل يسأل:


ماذا بقي من أثره حين سقطت الكراسي، وانفضت المجالس، وسكتت التصفيقات؟


عندها تسقط الألقاب كأوراق الخريف، ويبقى العلم إن كان علمًا، والخلق إن كان خلقًا، والأثر إن كان أثرًا.


ويبقى ذلك الزرُّ الصغير شاهدًا على الحقيقة الكبرى:


أن الإنسان قد يعلو في أعين الناس حتى يظن نفسه فوق النقد، ثم يهوي من علوّه بسبب شيءٍ صغير لم يحسن التعامل معه.


فلا تغترَّ بكثرة من حولك؛ فقد يكونون جمهورًا لا شهودًا.


ولا تغترَّ بعلو مقامك؛ فالمقام امتحان، لا امتياز.


ولا تجعل مخالفة الناس لك سببًا لخصومتهم؛ فقد يكون الذي لا يتبعك هو أول من يحفظ لك قدرك، لأنه لم ينافقك حين كان النفاق أسهل.


أما نحن، فسنمضي كما بدأنا:


لا نطلب مجدًا بالتبعية، ولا علمًا بالتملق، ولا مكانةً بالانحناء.


فإن نسيَنا الزمن، فلن نبيع له ضمائرنا كي يذكرنا.


وإن حُجبت عنا المنابر، فالأرض واسعة، والحق لا يحتاج إلى منصة.


وإن أُغلقت الأبواب، فليس كل بابٍ مغلقٍ خسارة؛ فقد تكون بعض الأبواب إذا فُتحت، دخل منها الإنسان صغيرًا وخرج منها تابعًا.


نحن نريد أن نبقى أحرارًا، ولو بقينا وحدنا؛ فالوحدة مع الكرامة أوسع من الزحام مع التبعية.


وفي آخر الطريق، حين تنطفئ الأضواء، ويهدأ التصفيق، وتُطوى الألقاب، وتُغلق دفاتر المجاملات، يبقى السؤال الوحيد:


هل كان عظيمًا لأنه كان يتبعه الناس، أم كان عظيمًا لأن الناس ظلوا أحرارًا في أن يختلفوا معه؟

هناك عندما يختلفون معه ويسقط زر القميص