الدولة الرهينة



تعمدت في مقالي هذا أن أرسل ضربات قاسية ومباشرة، لعل النائمين يستيقظون من سباتهم الطويل. حين نتأمل حالنا اليوم، يسأل العاقل نفسه بلا إطالة : نحن لم يخلقنا الله دولة ضعيفة، ولا شعبا كسول، ولا حجب عنا الثروات والموارد، فلماذا صرنا دولة ضعيفة تتقاذفها أمواج المصالح، وكأننا بلا رصيد من التاريخ أو الجغرافيا..!!

والحقيقة المرة التي لا يرغب الكثيرون في سماعها، هي أن الدول الكبرى لا تسعى دائما إلى حل مشكلة الدولة الضعيفة شفقة أو عدالة، وانما تجد فيها فرصةً سانحة للنيل منها واستلاب قرارها، والاستحواذ على ثرواتها، وتأليب مجتمعاتها على بعضها البعض، حتى تتفرغ هي لاستنزافها وإرباكها بما يضرها، وهي توهمها بأنه عين النفع لها.

وصدق من قال قديما الأقوياء في كل زمان ومكان اتفقوا أن حقوق الضعيف لا يُلتفت إليها.

وإن دولنا التي ما زالت تتوهم أن الأقوياء سيفزعون لحمايتها من الشرور، تسبح في مستنقعات اوهام لا تؤدي إلا إلى الانقراض السياسي. فما أخبرنا التاريخ يوما أن دول حمت دولة أخرى مجانا فالدروس التاريخية والإنسانية قديمها وحديثها، تكشف أن العلاقات بين الدول تحكمها المصالح وموازين القوة، وإن تطورت أدواتها في زمننا المعاصر لتصبح ديونا دولية، وشروطا مجحفة، وأشكال مختلفة من الوصاية باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ولكي لا نذهب بعيدا في التنظير ها نحن قد تجاوزنا ست حكومات ومع ذلك لم تتحسن أوضاع البلد ولا أهلها، وتحديدا في المحافظات الواقعة تحت مظلة الشرعية فلا خدمات مقبولة، ولا صحة تستر وجع مريض ولا بنية تحتية تقي الناس صيفا ولا شتاء

وكأن لعنة الإدارة الفاشلة قد كُتبت على هذه الجغرافيا، لتبقى رهينة للتجارب الفاشلة والتوافقات الهشة التي لا تقيم وزنا لمعاناة المواطن البسيط.

وهنا تكمن العقدة الحقيقية التي يتجنب الجميع خوض غمارها فليست المشكلة فيمن يحمل مفاتيح السلطة داخل الحكومة الشرعية وإنما فيمن يختار الأبواب التي تُفتح، وتلك التي تبقى مغلقة بإحكام.

إن موقع أي رئيس للحكومة، مهما اتسعت صلاحياته الدستورية على الورق، لا يكفي وحده لصناعة القرار في ظل تشابك مراكز النفوذ، وتداخل مؤسسات الدولة الرسمية مع ما يشبه أشباح الدولة الخفية التي تحرك خيوط اللعبة من خلف الكواليس.

وحين تصبح الدولة مجرد واجهة وتتحول المؤسسات إلى ديكورات لا تملك من أمرها شئ أمام سطوة المنتفعين والنافذين، يصبح الحديث عن الإصلاح عبثا لا طائل من ورائه.

فالقرار السياسي الحقيقي لا يولد دائما في غرف الاجتماعات الرسمية بل في كواليس المصالح الضيقة والولاءات العابرة للوطن. ومن هنا يضيع المواطن بين تبريرات الحكومة وعجزها الواقعي، وبين مصالح القوى الخارجية وتشابكات الداخل.

لقد آن الأوان لكي نكف عن انتظار المنقذ الخارجي، وأن ندرك أن السياسة ليست دعاء مستجاب ولا أماني معلقة، بل هي مصالح وموازين قوة.

ومن لا يملك زمام أمره، ولا يبني قوته من صلابة شعبه وعدالة مؤسساته، لن يفلح في شفاء وطنه.

فالدولة التي لا تملك قرارها، تظل رهينةً لمن يملك القوة.